لا للشتات

لا للشتات

لا للشتات”1″
إبراهيم خالد أحمد شوك
(( صاح بي سيد الفلك … قبل حلول السكينة
انج من بلد لم تعد فيه روح !
قلت : طوبي لمن طعموا خبزه …
في الزمان الحسن
وأداروا له الظهر
يوم المحن!
كان قلبي الذي نسجته الجروح
كان قلبي الذي لعنته الشروح
يرقد – الآن – فوق بقايا المدينة
وردةً من عطن
هادئاً …
بعد أن قال لا للسفينة
وأحب الوطن”2″ ))
في البدء الشكر الجزيل لكل المواقع الإلكترونية ومن قبلها الصحف الورقية ، إذ أنها تجمعنا على صفحاتها بمن نحب، يسوّدون صفحاتها فتبيض الدواخل وتلتمع الذاكرة.
هيّج الذكرى ، دلق وجع الكتابة ورفع درجة حرارة الإبداع بزوغ الصفحة التي كان يحررها قلم الشاعر المرهف المكاشفي محمد بخيت (( جمع الشتات السالم)) في عدد السبت الإسبوعي من صحيفة الصحافة السودانية السباقة لجمع شتان الوطن/السودان.
حين داهمني طيف الأحباب من بين أسطرها أوجست خيفة أن ينفجر ثيرمومتري الباطني.
الزمان : أوان الحزن والصمت
المكان: مكتب السكرتير الأكاديمي في جامعة الخرطوم
يدخل علينا الراحل علي المك ” 3 ” والبشر يقطر من جنبات وجهه ، أجلسته بترحاب وجو الفرح والقفشات يعطر المكتب ويطير ليحط على المكاتب المجاورة ، نرمي إليه بأحزاننا فيرتد الحزن خاسئاً وهو حسير ، أوصاني خيراً بأحباب كثر وأشياء جمّة. زدني ود المك لعمري تلك وصيتك الأخيرة في حجتك الأخيرة لجامعة الخرطوم ، ولكن أين سيكون عشاؤنا الأخير؟
أتيت إلينا محمولاً في تابوت من بلاد العم سام ، كيف استطاع ذلك الصندوق الخشبي أن يحتوي ذلكم الزّخم ، توحدت فيك ياعلي الغابة والصحراء، الغابة تاهت في الصحراء، والصحراء يقتلها الظمأ لمطر الغابة الإستوائي (رغماً عن أنها على مرمى حجرٍ من النيل)، ويحدو عيسها شوق لا ينقطع للمرعى، ماذا لو كنت بيننا الآن لترى بأم عينيك انفراط العقد ، صارت الحواشي تنفصل أو تنكر المتن رويداً رويدا ، “الحوش ” الكبير لم يعد كذلك والولاء صار شحيحاً في عصر الكساد الإقتصادي الماحق، وسَّدك الوطن الذي لم يكن ضنيناً لهذا المدى، وسدك ثراه الطاهر وضماك في حضنه الولود الدافئ الذي أحببت .
“بحرٌ من الأسف العميقْ
بحرٌ تلاطم موجه
الليل أوغل في الظلام ولا رفيق ْ
خوفي تقمص مهجتي
الحزن أنشب نابه
في باطن الدار العتيقْ
عز المزار وفاتني فرح الصحابِ
وبتُّ أبحث عن صديقْ
الشجو أطبق ياعلي
وغاب عنا الشدو والشعر الرقيقْ
وأهز نخل الصدقِ
كي يتساقط الوعد الجني
ويشرق الفجر اللصيقْ
أسفي على مافات
هل يجدي الأسى
ويعيد موج البحر للشط الغريقْ
خمسون توشك أن تمر
حصادنا منها سرابْ
النيل يجري
والأراضي البور تهزمنا
ويسكننا اليبابْ
وتباعد الأمل الوضئ
وخارت أحلام الشبابْ
هذي حقائبنا تنوءُ
على رصيف الاغترابْ
الصمت يصلبنا ويلسعنا العذابْ
وهنت حبال الوصلِ
لا سفنٌ تلوح لنا
ولاطيف الإيابْ
البحر خلفٌ
والعدو أمامنا
الخيل طوقها الحريقْ “4” “
يعود بنا الزمان القهقري ، فيشرق فينا فجر الديمقراطية ، مسرح الأحداث موزع بين دار جامعة الخرطوم للنشر ودار إتحاد الكتاب السودانيين ، ود المك يباغتنا بسمته المتهلل وبحضوره الدافق ، يسبقه فرحه الغامر ، أراه بعين البصيرة الآن وقد رأيته بعين البصر حينها ، يتأبط فتحاً شعرياً جديداً ، إنه ديوان ” مسافة السكة” للشاعر المكاشفي محمد بخيت .
يخط ود المك المقدمة بقلمه المتوثب وكأني به يصيح في فرحٍ “وجدتها …….وجدتها ” ((التجربة الفنية الحقة هي تلك التي تنبئ عن صاحبها ، الحياة تنوح حوله وتصدح حينا،ً نجاحه ومن ثم خلود كلماته يكون بقدر مايضفي على صفتي الحياة كلتيهما ، يكون نائحاً، يكون صداحاً، وآخر الأمر الحكاية واحدة أن نغني للشعب ، ومن ثم للحياة بما يدرك بالمسامع وماتبصره العيون .))
“هنا السودان … المطر الأول
دق الباب الشمس بتفتح
هنا السودان … القمر الأول
وسد راسو سحاب إقدام
ومد الإيد … مبسوطة سلام
عشقاً نابض … ثورة توحد “5” “
لله درك يامكاشفي ولا فض فوك . هذا ديوان يصل مابين الشعر العامي والفصيح ، خيط يرفو الفتق المترهل مابين سودانيويتنا وعروبتنا ، نحن دم زنجي ينضح بالعروبة ، قد فتحنا لك ياطارق أبواب المدينة.
سنار التي فرطنا فيها وأي وكم من مجد أضعنا بعدها ،تشتتنا فرادي في البدء وأفواجاً حين استعصى الفتح واتسع الرتق على الراتق.
في خيلاءٍ يخطر محمد عبد الحي في جلد الفهد ويسطع في قمصان الماء !
“الليلة يستقبلني أهلي
اهدوني مسبحة من أسنان الموتى
إبريقاً … جمجمةً ….
مصلاةً من جلد الجاموس
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوس”6″ “
ينثال النظم وتتري رموز التوحد والإنسجام
“إننا نفتح ياطارق أبواب المدينة
إن تكن منا عرفناك … عرفنا
وجهنا فيك … فاهلاً بالرجوع
للربوع
وإذا كنت غريباً بيننا
أننا نسعد بالضيف نفديه
بأرواح وأبناء
ومال ، فتعال “7” “
مهما هم تأخروا فإنهم يأتون ، يأتون من بلادٍ تموت من البرد حيتانها ، وأخر تنفث الغاز ومخلفات البترول فتنثلم الرئات وتتحطم النفوس . نفسح لهم بترحاب وبشر ، نضم شتاتهم ، ونحن نبذل القِرى لضيف الهجوع فهل نبخل على فلذات أكبادنا ؟ يطفر في إباء صوت الراحل بجسده الخالد بروائعه صلاح أحمد ابراهيم
“في بلدى …
حيث يعز غريب الدار يحب الضيف
يخص بآخر جرعة ماء عز الصيف
بعشا الأطفال
ببليل البشر
وبالإيناس إذا مارق الحال “8” “
تفجؤنا من بطن الوادي نار المجاذيب ، نأنس بها ، نهرول نحوها علّنا نجد عندها هدىً أو نأتي منها بقبس ، بسلام يطلع محمد المهدي المجذوب من النار، يخطو فى خفةٍ ممتشقاً قامة صديقه إلياس فتح الرحمن ، فيتلو الأخير :-
“خجلٌ منك كان
خجلٌ منك ينمو
ويشتعل الآن
خجلٌ منك يجعلنى
أتوكأ أصحابي القادرين
وأصرخ في الظالعين
وأحمل سيفى
لأقطع رأس السكوت المهين
والذعر … والصبر … والإتزان “9” “
وطني الأغلي … وطني الأعلي … وطني أكبر من أن يقهر ، حبونا … كبرنا على صدرك ، كبرت ، وهن العظم منك ، نحل الجسد ، تريد أن تتوكأ علينا في شيخوختك . نعود إلى حبيبنا الأول يامكاشفي، نسنده ، نطبطب عليه ، لا نقول له أف ولا ننهره ، بل نقول له قولاً ليناً كريماً :
“ياوطناً نبكي علي صدرك
ياوطناً نفرح وننتظرك
جنياتك نحن ولاد ضهرك
باكر لاحقنك في كبرك “10” “
ينهمر سيل النشيد في حضرة من نهوى ، يسكرنا العشق وتعصف بنا الأشواق .
” مسافة السكة جاييكي
تلاقيني والاقيكي
واحسك في القلب دقات
وفي عِرْق الصحاري نبات
وفي الخطوة الجديدة وطن … واغنيكى
ولا فرحك … بخلينى
ولا فرحى … بيخليكى
جاييكى “11” “
تزدان المقاطع ، ينجلي صوتها ويزداد حلاوة وسطوعاً من حرارة التغني والتغزل في محاسن الوطن .
“يتحدانا عصار ماهب
إلا وزاد جمرتنا حرارة
تتلقانا الأرض ونزرع
في أعماق الوقت جسارة “12” “
وعلي حد قول الراحل المقيم علي المك:- “هذه قصائد للمستقبل وللتنمية ، ولفجر ما وكل فجر باسم . ووعد الشعر الرائع ليس مطالاً .”
أري موكباً يتقاطر من الشرق ، أتمعنه ، يرمي إلىّ بألواح ، يغيب في لمح البصر ، آخذ الألواح إلى قومى على عجل ، أفضها فض المشوق فإذا هي بإمضاء الشيخ محي الدين بن عربي :- “يا أبا يزيد ، ما أخرجك من وطنك ؟ قال : طلب الحق . قال : الذي تطلبه قد تركته ببسطام ، فتنبه أبو يزيد ورجع إلى بسطام ولزم الخدمة حتى فتح له “13” .
وأخرى أهدانيها محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري ، فأقف معه بإجلال في موقف البحر .
” أوقفني في البحر فرأيت المراكب تغرق والألواح تسلم ، ثم غرقت الألواح، وقال لى لا يسلم من ركب … وقال لي في المخاطرة جزء من النجاة ، وجاء الموج فرفع ماتحته وساح على الساحل … وقال لى إن هلكت في سواى كنت لما هلكت فيه “14” .” …………
….. وقلبي علي وطني .
————————————————————–
المراجع
“1” نُشر هذا المقال لأول مرة فى صحيفة الصحافة السودانية بتاريخ 1/1/2001م فى عددها الخاص بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين لاستقلال السودان
“2” أمل دنقل ، من قصيدته “مقابلة خاصة مع ابن نوح”
“3 ” بروفيسر على المك ( فبراير 1937م- اكتوبر 1992م)أستاذ جامعى ، قاص وأديب سودانى راحل
“4” من قصيدة لكاتب المقال
“5” المكاشفى محمد بخيت ، شاعر سودانى ، من ديوانه “مسافة السكة”
“6” محمد عبد الحى (أبريل 1944 – اغسطس 1989)، أستاذ جامعى ، أديب وشاعر سودانى راحل من ديوانه “العودة إلى سنار”
“7” المصدر السابق
“8” صلاح احمد إبراهيم (أواخر 1933م – مايو 1993) ، دبلوماسى وشاعر سودانى راحل من قصيدته “فى الغربة”
“9” إلياس فتح الرحمن ، شاعر سودانى ، من قصيدة يرثى فيها الشاعر السودانى الراحل محمد المهدي المجذوب (مارس 1919م – مارس 1982م)،
“10” المكاشفى محمد بخيت ، شاعر سودانى من ديوانه “مسافة السكة”
“11” المصدر السابق
“12” المصدر السابق
“13” محي الدين بن عربي ، من كتابه الفتوحات المكية
“14” محمد بن عبد الجبار النفري ، من كتابه “المواقف والمخاطبات”

اترك تعليقاً